الدولية

كورونا والضرورات الملحّة

“النّاسُ صِنْفانِ إمّا أَخٌ لَكَ في الدِّيْنِ، أو نَظِيرٌ لَكَ في الخَلْق”، هذه الحكمة التي قالها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في عهده لمالك الأشتر النخعي عندما ولّاه مصر والذي أعتمد في الأمم المتحدة باعتباره من أفضل الرسائل الحقوقية في العالم تختصر لنا الكثير من المسافات إذا ما أرادت البشرية اليوم مراجعة سلوكها وأوضاعها، في ظل ظاهرة تفشي فيروس كورونا التي أدت إلى متاعب كثيرة لشتى البلدان.

العالم-كشكول

من المنطلق الإسلامي الحوادث الطبيعية ظواهر تحمل في طيّاتها الحمكة وهي تمثل ابتلائات للبشر من أجل إمتحانهم وتمهيد الطريق لتطويرهم.

على هذا الاساس فإن المجتمعات الإنسانية في ظل الظروف الراهنة تحتاج بشدة إلى الهدوء والثقة والمحبة واحترام التعددية فيما بينها وهذه الظروف هي أفضل فرصة من أجل ايقاظ الفطرة الإنسانية والرجوع اليها.

يعتبر التنوع في كل شيء أمر طبيعي وإيجابي في حال تم استثماره لتحقيق المصالح المشتركة لكافّة أصناف المجتمع البشري بغضّ النظر عن التباينات المناطقية والثقافية والاجتماعية وغيرها من الأمور التي تكشف عن حقيقة العالم الذي نعيش في رحابه منذ أن خلق الباري البشرية وحتى آخر لحظة في وجودها على وجه المعمورة.

الحروب والأزمات التي حصلت في مناطق مختلفة من العالم على مرّ التاريخ لم تكن لتحصل في كثير من الأحيان لولا النعرات القومية أو المذهبية وما شابهها في حين يمكن الاستفادة من تلك التجارب المريرة لخلق مناخ تعيش فيه البشرية في إطار عام تحكمه القوانين والمقررات الدولية في ظلّ أجواء من الأمن والاستقرار والتقدم شريطة أن تتظافر كافّة الجهود في هذا الاتجاه.

لاريب أن طريق التغلب على هذه الأزمات يمر عبر تعزيز النظرة الإلهية للعالم والإنسان وتكريس مبادئ العدالة لمراجعة النظر فيما يمكن أن نسميه السلوكيات الوحشية لإثارة وافتعال الحروب ومنع إنتاج وتخزين أسلحة الدمار الشامل.

الأوضاع التي نعيشها في عالم اليوم تؤكد ضرورة ملحة تدعو إلى إعادة النظر من قبل كافّة الدول لا سيّما الإسلامية لوضع أسس جديدة تسهم في نزع فتيل الأزمات من جهة، وتتحرك باتجاه إيقاف نزيف الدم المستمر في العديد من بلدان هذه المنطقة الحسّاسة في العالم، واستبدال ذلك بعلاقات متوازنة وهادفة في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية خصوصاً وأن معظم هذه البلدان تربطها علاقات تاريخية وحضارية ودينية واجتماعية منذ أقدم العصور.

اليوم ينبغي وأكثر من أي وقت مضى أن نلتفت إلى أهمية المواقع الجغرافية الاستراتيجية التي تتمتع بها دولنا والثروات الطبيعية الهائلة التي تحتضنها أراضيها والسعي لاستثمار هذه النعم إلى أقصى حدّ ممكن لخدمة كافة شعوب المنطقة في شتّى الميادين وإتاحة الفرصة لجميع البلدان للتمتع بحقوقها المشروعة في كل المجالات بعيداً عن التدخلات والإملاءات الأجنبية.

بات الجميع اليوم يتساءل عن مصير العالم بعد كورونا والتغييرات المحتملة في النظام العالمي، ربّما لا أحد يتمكن أن يتكهن بشكل دقيق بما ستؤول اليه الامور في المستقبل لكننا إذا أردنا أن نتجنب المآسي والويلات التي عشناها في العقد الأخير فهناك ضروات ملحة في مقدمتها إحترام خصوصيات كل أصناف المجتمع البشري وتحويل التعددية إلى فرصة للتفاهم والتعاون بدلاً من التناحر والتجاذبات التي لا تصب في مصلحة أحد، وإنما تستفيد منها القوى الأجنبية التي تسعى لتحقيق مآربها على حساب الشعوب لغرض التحكم بمصائرها واستنزاف طاقاتها والاستحواذ على ثرواتها بشتّى الوسائل، ضاربة عرض الحائط المقررات والأعراف الأممية التي يمكن من خلالها بسط العدل وتعزيز الأمن والاستقرار لصالح الجميع.

*محمد جواد أرويلي

المصدر : قناة العالم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى