الدولية

احتدام لعبة التهويل..أنقرة لواشنطن: هذا جدولنا في سوريا

بعد «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«نبع السلام»، تلوّح تركيا بعملية عسكرية جديدة داخل سوريا، مستثمرةً لحظة احتياج امريكا إليها في خضمّ المواجهة المحتدمة مع روسيا. وإذ لا يبدو، إلى الآن، أن التهديد التركي سيترجَم على الأرض، أقلّه في المدى القريب، في ظلّ غياب أيّ تحشيدات على الحدود، فالأكيد أن الرئيس رجب طيب إردوغان يحاول استغلال المسعى الأميركي لتوسيع الجبهة الغربية ضدّ موسكو، من أجل انتزاع مكاسب سياسية وأمنية من واشنطن، تبدأ من تقييد الحضور الكردي في كلّ من فنلندا والسويد، ولا تنتهي بإنشاء «منطقة آمنة» تستوعب اللاجئين الذين يريد إردوغان ترحيلهم.

العالم-تركيا

بكلمات فضفاضة تترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات عدّة، خرج الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، مُعلِناً استكمال الاستعدادات لعملية عسكرية جديدة على الأراضي السورية من دون أن يحدّد موعدها أو مكانها الجغرافي، تاركاً البتّ بأمرها إلى ما بعد انعقاد اجتماع مجلس الأمن القومي التركي غداً الخميس. ويأتي هذا الإعلان في سياق الضغوط التركية المتواصلة لاستثمار الحرب الروسية في أوكرانيا، ورغبة الولايات المتحدة في ضمّ السويد وفنلندا إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، من أجل انتزاع غطاء دولي، أو أقلّه أميركي – أوروبي، لمشروع «المنطقة الآمنة» التي بدأ إردوغان الحديث عنها عام 2019، قبل أن يتمّ وضعها في الدُّرج على مدار الأعوام الثلاثة الماضية نتيجة متغيّرات سياسية وعسكرية عدّة، أبرزها الموقف الروسي الذي بدا حازماً حينها، ليعود الرئيس التركي ويُخرج مشروعه مع احتدام الحرب في أوكرانيا، مستغلّاً رغبة واشنطن في استمالته لتضييق الحصار على روسيا.

ويهدف المشروع التركي، الذي تسعى أنقرة إلى تنفيذه تدريجياً، إلى إعادة توطين اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا، والذين تشير التقديرات الرسمية التركية إلى أن عددهم يبلغ حوالي 3.5 ملايين شخص، تمّ استثمارهم منذ اندلاع الحرب في سوريا في مختلف المجالات، سواءً عن طريق ابتزاز أوروبا عبر الدفع بالآلاف منهم للتسرّب إليها وقبض نحو 6 مليارات يورو مقابل منع تسرّبهم، أو استثمارهم داخلياً عن طريق تجنيس أصحاب الخبرات منهم وتقديم تسهيلات للصناعيين والتجار خصوصاً، أو في المعارك الإقليمية عبر إرسال مقاتلين سوريين إلى ليبيا وأذربيجان وغيرهما.

وتتزامن إعادة تصدير الخطّة التركية مع ضغوط داخلية في ظلّ اقتراب الانتخابات الرئاسية في البلاد، حيث تشكّل قضية اللاجئين أحد أبرز ملفّات الصراع الانتخابي، الأمر الذي يفسّر النشاط التركي المتواصل في عمليات بناء بعض التجمّعات السكنية من جهة، وتقديم تسهيلات لِمَن يودّ العودة من جهة أخرى، بهدف تحقيق مكاسب سياسية في الانتخابات، إضافة إلى ضمان تشكيل حزام سكاني مرتبط بتركيا محاذٍ لشريطها الحدودي.

وشنّت تركيا، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ثلاث هجمات عسكرية في الداخل السوري، استولت خلالها على أراضٍ قرب حدودها، بعضها كان يخضع لسيطرة الأكراد (قسد)، حيث قامت بطردهم واستبدال سكّان تلك المناطق بجماعات موالية لها، ما يعني أن العملية العسكرية الجديدة، في حال وقعت فعلاً، ستكون الرابعة، وستستهدف بشكل رئيس مناطق خاضعة لسيطرة «قسد».

لكنّ الأخيرة قلّلت من احتماليّة حدوث هجوم جديد، عبر بيان قالت فيه إنه «لا تغيير استراتيجياً في توزّع وانتشار القوى الدولية الضامنة في مناطق شمال وشرق سوريا»، معتبرة أن «تسخين الأجواء واستعراض قوّة الاحتلال من قِبَل الدولة التركية يأتيان في سياق محاولات ضرب الاستقرار والاستجابة الطبيعية من قِبَل الاحتلال لمحاولات إعادة تنشيط فلول داعش». بيان «قسد» الذي حاول تبريد الأجواء، ذكر في نهايته أن القوات الكردية «تدرس مستوى التهديدات التركية الفعلية والمتوقّعة لمناطق شمال وشرق سوريا، وتتبادل المعلومات مع القوى الدولية الضامنة»، في إشارة إلى كلّ من الولايات المتحدة وروسيا، الأمر الذي يؤكد ما تمّ تداوله من معلومات في أوساط المعارضة من أن المناطق التي يحاول إردوغان التوغل فيها تتضمّن، في خطوطها العريضة، تلك التي حاول العام الماضي قضمها وهي: تل رفعت، وعين العرب (كوباني)، ومنبج، بالإضافة إلى أخرى من بينها عين عيسى في ريف الرقة، وهي مناطق تشهد تداخلاً في الإشراف الروسي – الأميركي عليها، خصوصاً بعد قرار الولايات المتحدة إعادة نشر بعض قواتها في نقاط كانت قد انسحبت منها سابقاً، كقاعدة «خراب عشك» أو «خراب عشق» في معمل «لافارج» الفرنسي للإسمنت، والوقعة على طريق «M4» الدولي في ريف عين العرب شمالي حلب.

المصادر السورية المعارضة التي تناقلت خلال الساعات الماضية سيناريوات عديدة للعملية العسكرية التركية، ذكرت أن الجيش التركي يبدي حماسة لتنفيذ العملية، في وقت لُحظت فيه حالة «تردّد» لدى الاستخبارات التركية، بسبب التعقيدات العديدة التي تواجه هذه الخطوة في ظلّ الوجود الروسي والأميركي المشترك، ما يعني أن الحصول على موافقة طرف واحد فقط لا تكفي. فحتى لو أعطت واشنطن الضوء الأخضر لتنفيذ هجوم إرضائي صغير لإردوغان ضمن «سلّة مغريات» من بينها صفقات أسلحة، وغضّت الطرف عن مشاريعه في الشمال السوري، وضمنت تخفيض نشاط الأكراد في السويد وفنلندا مقابل ضمّهما إلى «الناتو»، سيواجه الأتراك مشكلة تتمثّل في موقف روسيا التي لا يمكنها تجاهل حقيقة أن ما يجري على الأرض في سوريا هو جزء من صفقة أميركية تهدف في المقام الأوّل إلى مدّ نفوذ «الناتو» إلى حدودها، الأمر الذي رأت المصادر المعارِضة أن موسكو يمكنها إفشاله عن طريق إقناع «قسد» بتسليم المناطق التي تنوي تركيا احتلالها للجيش السوري، وهو طرح روسي قديم/ جديد، يلقى رفضاً كردياً مستمرّاً، إلّا أنه مع ارتفاع منسوب الخطر التركي قد يتمّ إنفاذه، خصوصاً أن الجيش السوري موجود فعلاً في محيط منبج وتل رفعت التي ترغب تركيا في قضمها.

ولا يُعتبر تهديد إردوغان بشنّ عملية عسكرية ضدّ مناطق تسيطر عليها «قسد» أمراً مستجدّاً، حيث تنفّذ أنقرة بشكل مستمرّ هجمات بالطائرات المسيّرة والمدفعية على مناطق تابعة لـ«قسد»، بعدما فشلت محاولتها، في تشرين الأول من العام الماضي، انتزاع ضوء أخضر أميركي – روسي لبدء هجمات جديدة، حشد من أجلها إردوغان قوّاته على تخوم منبج وتل رفعت في ريف حلب وعين عيسى وتل تمر في ريف الحسكة، لتبقى ورقة العملية العسكرية إحدى الأوراق الضاغطة التركية في المفاوضات المستمرّة مع الولايات المتحدة. على أن اللافت أنه وبينما كان الرئيس التركي يعلن استعداد قواته لتنفيذ عملية عسكرية في الأراضي السورية، استقدمت القوات الأميركية تعزيزات جديدة إلى مناطق سيطرتها.

وكانت روسيا سيّرت، من جهتها، دورية مراقبة مشتركة مع القوات التركية وفق صيغة وقف إطلاق النار المرتبطة بـ«مسار أستانا»، شملت مناطق عدّة في عين العرب وتل أبيض، في حين أعلنت كازاخستان تحديد موعد للقاء الأطراف الضامنة لهذا المسار (روسيا وتركيا وإيران) في الفترة ما بين 14 و16 حزيران المقبل في العاصمة نور سلطان على مستوى الوزراء أو الممثّلين – وهو اجتماع كان من المفترض أن يتمّ نهاية الشهر الحالي، بالتوازي مع الجولة الثامنة من لقاءات «اللجنة الدستورية» -، على أن تستضيف العاصمة الإيرانية طهران اجتماعاً على مستوى القادة لم يتمّ تحديد موعده بعد.

*الأخبار

المصدر : قناة العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى