البحرينمقالات

خليفة بن سلمان مات مسموماً

في 15 أغسطس 2020م قالت وكالة أنباء البحرين الرسمية، في بيان مقتضب: “غادر صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء، أرض الوطن إلى الخارج في زيارة خاصة”

من هنا بدأت خيوط القصة بإعلان مغادرة خليفة بن سلمان أرض البحرين من دون تحديد وجهة السفر بعد استقراره في البحرين لمدة 5 أشهر بعد قضاءه فترة نقاهة مطولة في ألمانيا، ومنذ رجوعه لأرض البحرين ظهر في عدة تسجيلات مصورة ولقاءات تبين تمتع الرجل بصحة جيدة، ولم يمضِ 88 يوماً خلال سفرته الأخيرة حتى أُعلن خبر وفاته! وخلال أقل من 24 ساعة يصدر الديوان الملكي أمراً بتعيين ولي العهد سلمان بن حمد في منصب عمه الراحل قبل مواراة جثمانه الثرى بدون أدنى مبالاة لرحيل الرجل الأول في العائلة الخليفية!

الخطوات المتسارعة والمرتبكة كانت تسير تماماً كما هو مخطط لها حتى عكّر صفوها تسريب وثيقة سبب موت خليفة بن سلمان في مستشفى مايو كلينك في الولايات المتحدة الأمريكية إذ أشارت إلى أن سبب الوفاة تلوث بالدم!

بالطبع أن اختيار سبب الوفاة “التلوث بالدم” لم يأتي عبثاً بل وفق تخطيط دقيق يقلل من الشكوك إلى حدها الأدنى إذ أن وجود مشاكل قريبة من هذا السبب لدى رئيس الوزراء السابق أمر معروف عند المواطنين كما أنه هذا السبب في الولايات الأمريكية المتحدة سبب شائع يتوفى فيه قرابة 500 ألف مواطن سنوياً، لكن الخطأ الجسيم الذي وقع في هذا المخطط وبعثر أوراقه وسقط سهواً من العقل التنفيذي أن هذا السبب يتضمن بشكل صريح خيار دس السم ! والشهادة الصحية المتضمنه لسبب الوفاة هي نفسها تماماً الشهادة التي زوّر فيها النظام الحاكم سبب استشهاد عدد كبير من المواطنين حتى باتت لعبة قديمة لاتنطلي على أبسط المتابعين، وكما يقول خبراء علم الجريمة أنه “لا توجد جريمة كاملة”،إذاً أين الخلل الإضافي الذي أكد كل الشكوك إلى درجة الإطمئنان أن الرجل لم يمت حتف أنفه بل بتدبير مسبق محاط بسرية كبيرة؟!

الخلل الرئيس الثاني غير الشهادة التي أرادها الحاكم الخليفي صك براءة فانقلبت ضده صك أدانة صريحة هو “الارتباك” في التعاطي مع وفاة رئيس الوزارء الخليفي مع الإظهار المسبق لـ “نيّات مبيّتة” بحيث يؤدي تجميع الدلائل المبعثرة إلى نتيجة حتمية نشير هنا إلى بعضها بتسلسل واضح.

صراع النفوذ

منذ تولي حمد بن عيسى زمام الحكم في عام 1999م ورغبته في بسط نفوذه وتمكين ابنه ولي العهد من تولي زمام الأمور بدأ صراع النفوذ مع جناح عمه خليفة بن سلمان الذي كان يتولى بشكل فعلي مقاليد الحكم في البيت الخليفي من خلال المنظومة الأمنية والاقتصادية التي يسيطر عليها عبر أذرعه التي امتدت طوال فترة توليه لرئاسة الوزاء منذ 1971م ، وبالفعل لم يكن لدى الحاكم الجديد فرص كثيرة لترجيح كفة جناحه على جناح عمه وكانت آخر المحطات عندما استدعى خليفة بن سلمان درع الجزيرة 2011م لعلاقاته القديمة مع الأمير نايف آل سعود وزير الداخلية السعودي، وعبثاً كذلك كان يحاول ولي عهد البحرين أخذ مكانه الطبيعي على سلم النفوذ في قبال عمه حتى مع الأوامر الملكية لوالده التي كان رئيس الوزاء لا يعير لها بالاً.

بداية التهميش

بعد قطع العلاقات من قبل الثلاثي ( البحرين- الإمارات-السعودية) مع قطر، وتراجع الحرس القديم في بلدان الخليج بموت الأمير نايف آل سعود وصعود نجم المراهق محمد بن سلمان وسلمان وناصر أبناء حمد آل خليفة مع تحركات الثعلب الهرم ابن زايد وتراجع المستوى الصحي لخليفة بن سلمان وموقفه المعارض من قطع العلاقات،بدأت سلسلة تهميش دوره الفعلي وقطع أذرعه في مختلف الوزارات وقد ظهرت هذه الصراعات على العلن في حسابات مختلفة في تويتر مثل حساب “نائب تائب” وانتقلت لدور المحاكم الشرعية والتراشق في الصحف الرسمية كصحيفة البلاد التابعة لجناح خليفة بن سلمان في قبال صحيفة الأيام التابعة لجناح حمد آل خليفة.

ميدل ايست البريطانية واتصال قطر

في منتصف عام 2018 نقل موقع ميدل إيست آي البريطاني عن مصادر أن الإمارات والسعودية تدفعان باتجاه الاضطرابات بحكومة البحرين، وأنّ ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يقفان مع ملك البحرين لإزاحة عمه رئيس الوزارء، وقد تصاعدت عجلة الدفع بهذا الاتجاه بعد اتصال خليفة بن سلمان في مايو 2019، بأمير قطر، تميم بن حمد، في الوقت الذي تقاطع فيه البحرين إلى جانب السعودية والإمارات، العلاقات مع الدوحة منذ 2017، وبعد المكالمة التي هنأ فيها خليفة الأمير القطري بمناسبة شهر رمضان، سارعت البحرين إلى تأكيد موقفها الرافض للتقارب مع قطر، وقالت إن خطوة رئيس الوزراء لا تمثل المملكة!

تحذيرات لخليفة من عملية اغتيال!

بعد شهرين بالضبط من اتصال خليفة بن سلمان بالأمير تميم صدرت تحذيرات علنية من عدة حسابات استخباراتية قطرية لرئيس وزراء البحرين الأسبق بوجود مخطط تصفية له قد تم اقراره بالفعل في أبو ظبي! مع تحذير آخر لابنه علي من مكائد تدبر له في الخفاء أيضاً ،وبالفعل خلال سنة واحدة حدث ما حذرت منه الاستخبارات القطرية ليُعلن وفاة خليفة بن سلمان في 11 نوفمبر 2020م !

الدفن مع الإقامة جبرية وتغييب علي بن خليفة !

الجمعة 13 نوفمبر 2020م دقت ساعة الصفر بمراسم دفن خليفة بن سلمان وسط اجراءات مشددة بذريعة تفشي فايروس كورونا وبغياب ملفت للأنظار للنجل الأكبر لرئيس الوزراء الأسبق عن مراسم دفن أبيه ووضع جميع مرافقيه في الرحلة العلاجية تحت الإقامة الجبرية!

وبعد التساؤلات عن غياب نجل خليفة بن سلمان الأكبر عن مراسم دفن أبيه خرجت صحيفة الأيام بصور خجولة لتلقيه التعازي في قاعدة الصخير الجوية!

تغييب موت خليفة بن سلمان عن الإعلام الخليجي

جرت العادة في الإعلام الخليجي على حضور حدث موت قيادات دول الخليج بصورة واضحة في أيام دفنهم وتلقي التعازي بهم إلا أن هذا الأمر كان على خلاف العادة خصوصاً في القنوات الرسمية الاماراتية والسعودية إذ استمرت ببث برامجها المعتادة بما يتضمن حفلات الغناء وجلسات الطرب في تغييب صارخ لموت شخصية حكمت وأثرت على مسار العملية السياسية والاقتصادية في المنطقة على مدى 50 عام!

مات خليفة ولكن.. 

نعم انطوت صفحة الصراع بين الحاكم الخليفي حمد وعمه رئيس الوزراء بدس السم للأخير بعد 20 عاماً من صراع النفوذ وبعد نفاذ صبر حمد لأن يخلصه ملك الموت من عمه، وهذا يذكرنا بما أثير من تسميم حمد نفسه لأبيه عيسى آل خليفة مع بدايات صعوده للحكم إذ اكتنف هذه القضية غموض كثير لم تطوى صفحته حتى الآن، ونعم تسلم سلمان ولي العهد زمام أمور الحكومة التي كان يطمح لها منذ زمن بعيد، لكن السؤال هنا هل بموت خليفة بن سلمان تسقط ثارات الانتقام من جناحه المتكىء عليه منذ ما يزيد على 50 عاماً؟ وهل يأمن الحاكم الخليفي على نفسه أن يُسقى بنفس الكأس الذي سقى به عمه ويموت حتف أنف ظاهراً؟! وإلى أين يتجه عبث الثعلب الهرم ابن زايد داخل البيت الخليفي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى